َاعلان

الأحد، 20 يناير 2013

مقال : مخاوف العرب والأفارقة... ضد «الأزواد»


مخاوف العرب والأفارقة... ضد «الأزواد» 

محمد المزيني نشر في الحياة يوم 11 - 04 - 2012



فور أن أعلن الطوارق والعرب والسونغاي والفولان الأزواديون دولة انفصالية مستقلة بقوة الواقع، وحددوا معالمها لتشمل مدينتي «غاوا وكيدال»، إضافة الى العاصمة «تنبكتو»، قدموا للعالم الضمانات التي يفترض أن تكون مطمئنة من أنهم سيحترمون حدود الدول المجاورة، ويتعهدون بالعمل على توفير الأمن، والشروع فى بناء مؤسسات تتوج بدستور ديموقراطى لدولة «أزواد» المستقلة، كما أعلنوا انخراطهم الكامل في ميثاق الأمم المتحدة، متعهدين بإخراج الحركات الجهادية و«القاعدة» من البلاد، وإبعاد كل ما هو ليس من طبيعة بلاد «أزواد» عنها.
هذه التطمينات المستبقة لردود الأفعال الدولية جاءت بنتيجة عكسية على غير ما تتوخاه حركة «أزواد» التي عبّرت عن نفسها بأنها حركة مناهضة للظلم والاستبداد، وبمعنى أشمل الاستعمار الذي طال أمده لهم، قرابة ال50 عاماً، فلم تجد الاحترازات الأزوادية المحنّكة أي رد فعل معقول تجاهها، بل تم تجاهلها وكأن الأزواديين الثائرين صرحوا بعكس ما صرّحوا به، ما يشي بأن وراء الأكمة ما وراءها! وهذا لا يدفعنا إلى أن ننكر أنه قد تكون لدى الأزواديين رؤية ما لاختيار دولة إسلامية قد تأخذ بعض سماتها من السمات التي تتشكل في العالم العربي المحيط بهم، كما في ليبيا أو في مصر حالياً، غير أن هاتين الرؤيتين - ما بين مقاومة الاستعمار وإقامة دولة إسلامية معتدلة - أصبحتا إرهاصاً لاستعراض بعض الدول المجاورة لأزواد عضلاتها على هؤلاء الثوار، عوضاً عن دعمهم بكل المستطاع! فلماذا؟!

إن الحركة الأزوادية التحريرية - وهذا عصي دمع جيرانها - نجحت نجاحاً باهراً ومنقطع النظير في الاستقلال بالمناطق الازوادية الشمالية، وعلى رغم أنّها حركة مسلّحة، ورجالها من العرب والطوارق البدو البدائيين، فإنه لم يحصل فيها من سفك الدماء وهدر الممتلكات وفظائع الانتقامات ما حدث في الثورات العربيّة المدعومة أحياناً بغطاء جوي أطلسي، كما أنها لم تكن تجأر أثناء تحريرها لمناطقها بالاستغاثة ب«المجتمع الدولي»، أو «عقوبات اقتصادية للدولة المالية»، أو «تجميد أموال رئيس دولة مالي وأسرته ورموز نظامه»، أو «حظر عسكري لحماية المدنيين»، أو «ضربات الناتو»، ولم يكن رموزها يتسابقون إلى وسائل الإعلام وبرامج «الاتجاهات المعاكسة»، ولا يستجدون «دعاء قنوت»، أو قنوات إخبارية مؤدلجة تطل عليهم من هنا أو هناك، أو تصريحاً من دولة مجاورة من قبيل: «يجب تسليح الثورة»! كلا، لم يحصل شيء من ذلك، كل ما هنالك أن الثوار الأزواديين خرج كل منهم من خيمته وبيته الطيني وأخرجوا القوات المالية من ديارهم، بأقل عدد ممكن من طلقات الرصاص، من دون أن ينتج عن ذلك اختلال في الأمن أو إفساد للممتلكات أو تدمير للمدن الأزوادية.
إذا كان هذا لا يعجب الدول المجاورة لهم، فكيف السبيل للتدخل وإفشال هذه الثورة العسكرية «شبه السلمية»؟!
الإشارة تتجه طبعاً مباشرة إلى الأصابع الخفية لتنظيم القاعدة الذي وعدت الحركة الأزوادية نفسها بالتخلص منه في إطار تعاون دولي، وهنا يأتي العجب من أن هذا الاتهام يأتي في إطار التزامات الثوار للعالم وعلى رأسه أميركا «وهذا يتعارض شكلاً ومضموناً مع اتجاهات القاعدة» بمغادرة كل ما ليس من صميم الأرض الأزوادية.

هذا الخلط الدولي المتعمد بين الأزواديين والجهاديين الدخلاء عليهم قاد إلى شبه إطباق معتمد على شجب إعلان استقلال الأزواد، ولا بأس في تدعيم هذا التشويه بالذهاب إلى أفراد التنظيمات الجهادية وتملقهم من أجل الحصول على تصريحات تدعم التدخل العسكري في التراب الأزوادي لإجهاض ثورته، وليس من أجل إبعاد «القاعدة» عنه، لأنه لو كان المقصود إبعاد «القاعدة» فهذا هو نفسه ما تطالب به الحركة الأزوادية، وتطالب العالم بإعانتها عليه، وهذا يعني بوضوح أن دول الجوار لا يهمها تنظيم القاعدة بقدر إفشال الانفصال الأزوادي. وفي هذا التكالب لا تتخلف حتى منظمة اليونسكو عنه للإعلان «عن قلقها العميق حيال مصير التراث الثقافي لمدينة تمبكتو الذي قد يتعرض للأذى على يد المجموعات الإسلامية»!

وبالمقابل هل بثت مخاوف هيئة اليونسكو المماثلة على التراث العربي والمتاحف جراء فعاليات «الربيع العربي»؟
ولا بأس أن تبث أشهر القنوات الإخبارية تقريراً صورت لقطاته منذ أكثر من خمسة أعوام لتبيان الخطر الداهم على «مخطوطات تمبكتو» لإيهام المشاهد بأنه تقرير مأخوذ من جو الأحداث، فهل يعني هذا أن الوقائع التي تريد هذه الجهات ضرب الحركة الأزوادية بها هي من تركة الدولة المالية نفسها ومن ورائها الدول الساعية إلى الإبقاء عليها على حساب معاناة الشعب الأزوادي؟

إن هذا يجعلنا نستنتج أن الخطورة الحقيقية «التي تدركها هذه الدول» تكمن في المفاجأة المفشلة لكل هذه التخمينات والمخاوف من خلال قدرة الحركة الأزوادية على تجاوز كل هذه الشكوك والمخاوف وتحقيق حال من الأمن والسكينة، وقدرتها الأخرى على تأكيد ما ذهبت إليه وقدمته بين يدي مشروعها الانقلابي من استطاعتها فعلاً تحقيق الأمن وشروعها في عمل سيتوج بدستور ديموقراطى لدولة أزواد المستقلة، وتأكيدهم الانخراط الكامل في ميثاق الأمم المتحدة، من خلال العمل الواقعي وفق آليات مجتمع مدني حديث لديه قانون، مع الوعد بالتخلص من كل تنظيم إرهابي، ومن كل تشكيل غير متلائم مع طبيعة الشعب الأزوادي، وهذا الوعي والحنكة السياسية هي التي أرعبت هذه الدول ودعتها إلى التدخل، لأنه لو نجح ذلك فتصوروا معي واقع الحال السياسية في القارة الأفريقية، التي لم تفارق أرضها الحركات الانفصالية الدموية قط، ما سيزيد من أوارها، وهو ما سيمهد لربيع أفريقي، خصوصاً بقيادة «الأمازيغ البربر» الذين تتقاسمهم الجزائر والمغرب وليبيا، ممن ظلوا ردحاً من الزمن يطالبون باستقلالهم في دولة توحد هوياتهم، وسيقال: الأزواد شرارة أولى قدحت روح الصراع الأمازيغي البربري، ومن خلفهم العرب المنضوين تحت لوائهم كمكوّن لهويتهم الجغرافية.

* كاتب وروائي سعودي.
mazmaz4u@yahoo.com
twitter | @almoziani
 
أكمل القراءة...

الجمعة، 18 يناير 2013

أنصارالدين والمراهقة الجهادية 1 " أزواد .. إرهاصات تمرد "


أنصارالدين والمراهقة الجهادية " أزواد .. إرهاصات تمرد "  !

من المثير جدا أن تأخذ جماعة من مجاهيل الصحراء الأضواء العالمية والأعلامية وأن تكون مثار حديث القاصي والداني .. وفي وقت وجيز تكون فيه خصما أمام أباطرة العالم .. وأضحت لغزا محيرا .. 

جماعة أنصارالدين التي جمعت متناقضات لم تجتمع في جماعة أخرى .. 
والتي ظهرت  كطرف - لايستهان به - في معادلات غير مفهومة المعالم .. 

هذا كله يدفع المطلع عن كثب لهذه الجماعة .. أن يحاول حلّ وفك الطلاسم التي حاطت بها وأثارت جدلاً لم يكد ينتهي ليبدأ بوجه أخر .. 


إياد أغ غالي 

كل التحليلات تحوم حول المثير الغامض كجماعته زعيمها إياد أغ غالي .. 
الجندي الذي تحوّل إلى قائد تمرد عسكري للطوارق ثم إلى ممثل للثورة ومناضل قومي تحول فيها عكسيا إلى رجل سلام جعلته واجهة دبلوماسية لمالي ..

دبلوماسية حولته إلى دعوي سلفي .. حامت حينها شكوك حول علاقات مشبوهة حسب السعودية التي كان قنصلا فيها ..  
جعلته يختفي فترة ليست بالبسيطة معتزلا عن الساحة ظهر فيها بفترات متقطعة كسمسار لفك الرهائن الغربين لدى جماعات أوصولية يتمدد نشاطها في المنطقة
ورغم مرور المنطقة بعدة تمردات للطوراق لم يكن لاياد ظهور واضح فيها

إلى أن عاد منذ عام عودة مختلفة عن سابقاتها كأمير وزعيم جماعة جهادية !

هذه العودة التي غربلت حسابات المنطقة وأثارت الجدل .. 


فكيف كانت هذه العودة ؟ 


منذ تمردات الطوارق المتكررة في 2006 و2008 و2009 .. 
والتي قاد فتيلها الزعيم الطوارقي الراحل إبراهيم أغ باهنقا ..
بدأت جميع المؤشرات تتشكل في أن المنطقة ملتهبة ومقبلة على تغير جذري .. 

ورغم توقيع اتفاقيات سلام برعاية زعيم ليبيا حينها ، إلا أن الجميع  كان يتنبأ فعلا أن الأمور في المنطقة لاتسير على مايرام .. 

في تلك الفترة كانت حكومات مالي تجيد في إخماد فتيل التمرد ، في الدعم الدولي لمحاربتها للجماعات الأصولية التي بدأ ظهورها كما أسلفنا يتمدد في المنطقة ..
الشهيد إبراهيم أغ باهنقا 

ومع ذلك .. 
بدأت الارهاصات تتشكل في أواسط العام 2010 
وحين تأسست في أواخره "الحركة الوطنية الأزوادية" كحركة سياسية تنتهج نهجا سلميا للدفاع عن حقوق شعب أزواد .. 
عبرّت في تلك المرحلة برسائلها المرسلة للجهات الفاعلة 
 عن سخطها أمام ممارسات حكومة مالي وجيشها .. التي جعلت من أزواد بؤرة كل محظور .. 
ذلك التعبير الذي لم يحظى أبدا بالاهتمام البارز عند حكومة مالي .. ولا عند المحيط الاقليمي أو الدولي 


وفي عام 2011 الذي أطلق عليه البعض "آلربيع العربي" وهبت رياح التغيير من شمال أفريقيا التي سرعان مالحقت بالزعيم الليبي معمر القذافي الذي كان لسقوطه دورا بارزا في ترجمة الإرهاصات القادمة .. 

فمع انطلاق الثورة الشعبية الليبية ضد زعيمها سارعت الحركة الوطنية الأزوادية في دعم ثورة الشعب الليبي الأمر الذي سارع إلى عودة "الطوارق الأزواد" الذين التحقوا سابقا بأشقائهم "الطوارق الليبين" . 

"علاقة وصفت بالمشبوهة بين الطوارق والقذافي تستحق أن نناقشها في حديث آخر ونبين تفصيلاتها"

المهم ، أنه بدأت أعداد الطوارق الأزواديين تعود إلى أزواد ، وكانت مدججة بالسلاح الذي ظفروا به ..

الحركة الوطنية لتحرير أزواد 

في تلك الأثناء بدأت حكومة مالي تشعر بالخطر القادم تجاهها مادفعها إلى أخذ مبادرة التحاور لجذب ولاء العائدين الجدد ..

الحوار الذي لم يكن قائما من ذاته عند حكومة مالي التي وقع أن ظهر إياد أغ غالي كمفاوض عنها

في تلك الفترة التي بدأ السلاح والاستعدات تظهر والجميع يراقب ويترقب .. 
انقسم العائدون بين مؤيد للحوار ورافض ، وبدأ المؤيدون في إظهار مبادرتهم بتسليم وعرض أسلحتهم واستعدادهم للحوار ..
الأمر الذي قابلته مالي حينه بمزييد تجييش وعسكرة لأزواد .. 
والاستشهاد المفاجئ للزعيم أغ باهنقا الذي كان على رأس العائدين .. في حادث غامض وُصف بالمدبر !

كل ذلك  دفع الرافضين لإعادة تشكيل صفوفهم .. 
واندماجهم مع التحالفات والتشكيلات العسكرية الطوارقية ومع الحركة الوطنية الأزوادية كجناح سياسي
لتتشكل الحركة الوطنية لتحرير أزواد 


واستمرت المفاوضات عن طريق إياد مع تلك الحركة ، ما جعلها ترفض أي تفاوض مع مالي التي أرسلت مزيد وفود ومبعوثين .. 
فحسب ماتناقله الرواة .. 
أن آخر العروض التي قدمها توماني توري لهم عن طريق اياد كانت مبالغ طائلة ووعود بالتنمية 
مادفع قائد عسكر الحركة إلى أخذ حفنة من تراب أزواد وضعت في راية أزواد .. وقدمت للمفاوضين .. بأنه هو المطلوب ! 

وبعد أن فشلت المهمة .. 
هنا عاد إياد أغ غالي إلى بامكو وأبلغها بعد أن تأكد أن الحركة عازمون في انطلاق مشروعهم .. وأنهم لايرغبون عن التحرير بديلا .. 


وبدأت كل الظنون تدور حول عزم إياد في التحاقه بأشقائه الطوارق .. 
مادفع مالي إلى أن تسارع في محاولة اغتيال له في طريق عودته فعلا إلى أزواد .. نجا منها إياد وراح ضحيتها غربي كان برفقته .. بعد أن فطن إياد لذلك !

وبحسب ماتناقله الرواة أيضا أن الحركة رفضت انخراط اياد فيها - لأسباب مواقفه الثورية السابقة واللاحقة - ،
وبدى أيضا أن إياد رافض لموقف الحركة تجاهه وتجاه مشروعاته .. 

ما دفعه إلى أن يبتعد ويظهر بفصيل جديد لم يكن له حينها تسمية محددة .. 

ومع ظهور هذا الفصيل اتخذت قضية أزواد في أخذ مسار جديد تماما .. 

وهذا ما سنناقشه بالتفصيل في المقال القادم .. 
أكمل القراءة...

الخميس، 17 يناير 2013

أزواد ساحة حرب !



^ الاعتراض على التدخل الفرنسي ^ 


لست بحاجة لأبين اعتراضي عن تدخل فرنسا في أزواد وفي إقليم مالي ، فاعتراضي على القاعدة هو اعتراض على التدخل لأنهم حجة التدخل الوحيدة 


القاعدة - للأسف - أدخلت شعب أزواد في معركة ليست معركته وحرب ليست حربه ، فالمتضرر الأوحد هو الشعب الأزوادي في كل المعارك والحروب !


القاعدة استطاعت وعبر مسار تواجدها المثير وظهورها الغامض للبعض , في ايجاد موطئ قدم لها في المنطقة لحربها العالمية وفتح بؤرة جديدة 


^ الطوارق وفرنسا ^


من المعيب ربط الطوارق بعلاقة مع فرنسا الاستعمارية ، فالطوارق هم أشد عداء لاستعمارية فرنسا عن غيرها من الشعوب 


فالثقافة الطوارقية المتوارثة لدى عموم الطوارق بتسمية الفرنسيس ب"إيكوفار"آي الكفار واللغة الفرنسية "تكافرت"،ولا تُعرف تسمية للفرنسين سواها

الطوارق في أزواد رفضهم للاستعمار جعلهم يثورون مرارا على وكيل المستعمر الفرنسي مالي  ، المستعمر الذي عاد من بوابة مشروع القاعدة ومحاربته !

^ دولة أزواد ومشروع القاعدة ^ 

الطوارق في أزواد يريدون - تقرير مصيرهم - في دولة فيها للاطفال مدارس وفيها للمرضى مستشفيات ويشعرون بالامن فيها ، مشروع القاعدة لا يلبي كل هذا .. 


^مشروع فرنسا & مشروع القاعدة^

 مشروع فرنسا الاستعماري في أزواد لم ينتهي فمشروعها هو مالي ! ،التي أجبرت الطوارق وشعب أزواد على أن يكونوا فيها ظل جمهورية لم تكن يوما وطنا


مشروع القاعدة في أزواد عن تحويله إلى بؤرة لصراعها العالمي والاقليمي، وغررت بعض الطوارق - والعرقيات الاخرى -  بالمشاركة في أماراتها المنشودة 


 فمن هذه المعطيات وغيرها من مسار الأحداث التاريخي والجغرافي مايجعل كل مطلع أن يرفض مشروع القاعدة كما يرفض مشروع المستعمر فرنسا !


النقطة الوحيدة التي اشترك فيها مشروع المستعمر الفرنسي ومشروع القاعدة ، رفضهم انفصال مالي ومحافظتهم على سيادة لم تكن يوما سيادة !



^ مشروع القاعدة العواقب والمآلات ^

 شرعيا : القاعدة لم تراعي أولويات المصلحة وأوليات الشعب التي تكفلها مقاصد الشريعة فأين تطبيق الشريعة ؟ 

الشعب الأزوادي و الطوارق تحديدا وبشهادة مستعمريهم كانوا الحصن الأوحد في مجاهيل الصحراء لدين الاسلام والشريعة الاسلامية السنية الصحيحة

فلم تُفلح حركات الاستعمار ولاالتنصير في إخراجهم عن هويتهم أو التأثر بالحواضر والمدنيات من حولهم، فكيف تتدعي القاعدة برايتها فتحا لأرضهم؟


لذلك نرفض مشروع القاعدة الذي أخرجت المجتمع الطوارقي المسلم من دينه وبرأته من عقيدته واستعدت العالم أجمع عليه 

القاعدة قسمت شعب إلى مؤمنين وكافرين، وتهمة الكافرين العلمانين الطواغيت بالنسبة لهم هو كل من يرفض مشروعهم! ولو كان متعلقا بأستار الكعبة!




أكمل القراءة...

الأربعاء، 16 يناير 2013

"أوراق" عن أزواد/ السادسة/ سنوات التيه



"أوراق" عن أزواد/ السادسة/ سنوات التيه


لم ينته عهد موديبو كيتا في نونبر سنة 1968 إلا بعد أن دمر أزواد اقتصاديا واجتماعيا وسلبه أغلى ما يملكه أهله: العزة والكرامة، فأذلّ كبراءه واستباح حرماته، ليحل الغضب محل الكبرياء الذي عرف به الأزوادي بين جيرانه، وساد اليأس ربوع أرض موسى آگ أمستن وفيرهُن والميون بن حمادي، ومحمد بن رحال
وكادت الحِلَلُ العامرة بمخيماتها الكثيفة المتراصة تختفي، ومعها قطعان الإبل البيضاء والشقراء البديعة، والأغنام الوافرة، كما اختفت سباقات الهُجن الذلولة التي لا تحتاج سوى تحريك الخطام، دون عصى أو نسعة، المزينة بالرواحل ذات القرابيس العالية، المبطنة بالأحزمة الجلدية والشعرية المتدلية، بألوانها المزركشة الأصيلة، تحت رجال أشداء ذوي قامات فارعة، بدراريعهم السوداء والبيضاء، وعمائمهم الطويلة، الممتشقين بعزة وكبرياء سيوفا قهرت الطامعين على مدى التاريخ، وضاعت مكتبات عريقة غنية بنفائس الكتب، في خضم هذا التشتت غير المسبوق.

وأصبح مصير الإقليم بيد الضباط والجنود الذين كانوا يد الناظم البائد الباطشة، بعد أن استولوا على السلطة، التي لم تغير في شيء، اللهم تفكك النظام الاشتراكي الذي ظل يحسب على الناس أنفاسهم ويقيد تصرفهم بأموالهم

وسار الجديد على خطى القديم باعتبار أزواد منطقة أمنية، أهلها محل اتهام دائم بالإرهاب والتمرد

وصادفت هذه الفترة موجة الجفاف الماحق التي ضربت منطقة الساحل والصحراء سنوات متتالية، في سابقة لم يعرفها السكان المعتادون على دورة القحط لا تدوم إلا سنة أو سنتين، يتبعه الغيث والخصب، كما تبينه  حوليات المراكز الحضرية. فلم يكن السكان إذن مؤهلين لمواجهة الكارثة، وتصرفوا كما كانوا يفعلون، ينتقلون بمواشيهم إلى المناطق الرطبة وضفاف الأنهر، ليقايضوا منتجاتهم بالمواد الغذائية، لكنهم وجودوها منكوبة، إذ لم يكن أحد يدرك أبعاد الظاهرة ولا مداها.

ومن هنا كان على الحكومة المالية أن تتصرف بسرعة وفعالية كما في الدول المجاورة: موريتانيا وبوركينا فاصو وبنسبة أقل النيجر.

ففي موريتانيا مثلا أُعلن النفير العام وسخرت الحكومة ما لديها من إمكانيات لمواجهة الجفاف، فنشطت الإدارة والحزب الحاكم ووسائل الإعلام لمؤازرة السكان وتنويرهم بأبعاد ما حل بهم، وطلبت العون الخارجي، ثم اتخذت على الفور إجراءات عملية، تمثلت في إلغاء العشر نهائيا عن الماشية، ووضع برنامجي عرف بخطة التدخل السريع، اضطلع بتوزيع المواد الغذائية والدوائية وحفر الآبار، تحت إشراف وزير الصحة والشؤون الاجتماعية د. عبد الله بن ابّاه، الذي وضعت تحت تصرفه تجهيزات القوات المسلحة والحرس ورجالهما، فأضافوا الفعالية على هذا الجهد الوطني، خاصة بإشرافهم على أسطول السيارات الذي جاب المناطق المتأثرة، المنتشرة في غالبية أرض الجمهورية، حيث تحقق المطلوب في الوقت المناسب، رغم انعدام الطرق المعبدة في تلك الحقبة. وكانت تلك بدايات إقامة مفوضية الأمن الغذائي، التي اعتبرت تجربة رائدة استنسختها عدة دول.
    
أما في أزواد فكانت وطأة الجفاف أشد لأن الحكومة لم تكن مبالية به، فتركت السكان يواجهون مصيرهم وحدهم، لا مرشد ولا معين، واستمرت في جباية الضرائب على الماشية، ومتابعة الرقابة على تنقل السكان بحيث لا يحق لهم الاقتراب من ضفاف النهر إلا بمسافات معينة؛ ولم تصل سنة 1973 حتى نفق جل الثروة الحيوانية، وانتشرت المجاعة في أصقاع الإقليم، وأصبح الناس عاجزين عن توفير ضرورات الحياة الأساسية من مأكل وشرب وملبس وسكن، فتشتت الرجال لا يلوون على شيء في الاتجاهات كافة بحثا عن وسيلة لإنقاذ من تركوا خلفهم من نساء وصبوة وعجائز في مخيمات قرب الآبار، والتي أصبح جلب مائها غاية في الصعوبة بعد نفوق الماشية؛ وكان الرجل يصحب معه في رحلة الميرة تلك كل ما بقي له من دواب صالحة للبيع، وبقايا الأثاث: من زرابي وطنافس ومصنوعات جلدية وخشبية، كما جلبوا معهم كتبا مخطوطة نفيسة وحلي النساء ومقتنياتهن،  بل إن البعض اضطر أن يترك عياله في العراء ويأخذ الفروة ليقايضها بمواد غذائية.
ومع طول الوقت أصبحت أكثرية الأسر معدمة، لا تملك ما تقايض به الطعام،  فمات الآلاف من الناس جراء الجوع وتبعاته، غالبيتهم في مخيمات، ذكر شهود عيان أنها كانت مسكونة بأناس شديدي الهزال، لا يقدرون على الخروج إلى الزائر، خوفا من الظهور في أوضاع غير لائقة، منها العري، مما يذكّر بما مرت به العديد من المناطق الموريتانية إبان الحرب العالمية الثانية، تحت الاحتلال، حيث لبس الناس الجلود وقطع الوبر المحاكة للخيام، حتى أن بعض الأحياء البدوية كانت لا تملك إلا دراعة واحدة يتعاقب عليها رجاله، عندما يتعين على أحدهم الخروج للقاء زائر؛ وقد قيل في السبعينات إنه لو لم تكن لموريتانيا حكومة مركزية لمات جل سكانها الذين كانت نسبة البدو منهمحينها - تزيد على 70% .
  وكنا في منكبنا البرزخي نسمع بعض الأخبار عن مأساة أهل أزواد التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام الغربية المكتوبة، من بينها صحيفة "لموند" الباريسية التي نشرت سلسلة مقالات للكاتب الصحفي الشهير "فيليب دَكْرينْ" عن الجفاف في مالي،  نقل فيها صورا مخيفة عن حالة السكان في أزواد، متهما الحكومة المالية باستخدام الجفاف لتصفية حساباتها السياسية والأمنية مع السكان، وانتقد سكوت العالم عن هذا الوضع البشع
 وقد قامت مجموعة من الشباب في نواكشوط بتكثير هذه المقالات وتوزيعها على الرئاسة والوزارات، مطالبين بوقفة تضامن مع الأشقاء الأزواديين، ومستنكرين الصمت على أفعال باماكو. لكن  أحدا لم يتحرك، لإنقاذ هذا الشعب أو التخفيف من محنته، لا في الدول الغربية ولا الأمم المتحدة أو التجمعات الإقليمية،  حيث لم تكن الصحوة العالمية لمؤازرة حقوق الإنسان وحماية الأقليات التي شاهدناها مع بداية انهيار الكتلة الشيوعية قد ولدت بعد؛ وذلك رغم وجود حركة تكاد تكون كونية يقودها اليسار، تدافع عن حركات التحرير في إفريقيا وفلسطين وفيتنام.
  والّفتة الوحيدة للدول الغربية ومنظماتها الإنسانية، كشركات الصليب الأحمر، كانت إرسال بعض المواد الغذائية والأدوية إلى حكومة باماكو، دون مراقبة على تصريفها، فاستحوذ عليها الضباط القابعون في السلطة، واستمرت المعاناة وتشعبت، ولم يلتفت أحد إلى أن جوهر المشكلة السياسي،  حيث تصر حكومة على ممارسة التمييز على جزء من شعبها، والتخلي عن مسؤوليتها اتجاهه، مما يتنافى وواجباتها الدستورية وما يفرضه القانون الدولي والشرائع السماوية وتقاليد التعايش والمساكنة.

بداية التشرد


   اكتملت هجرة سكان البادية إلى المدن والمراكز القريبة من مصادر المياه، وانتشرت الفروات وأقفاص الحشائش، على أطرافها، بينما أصر قسم منهم على البقاء في الأرض التي ألفوها، حيث بقيت على الألسن مآثر بعض رجالهم من تجار ووجهاء وزعماء قبائل بذلوا أموالهم وجاههم لمد يد العون لهم حتى تحسنت الظروف مع الثمانينات، ومن هؤلاء السلطان بادي بن حمادي
 ولم تحرك السلطات الرسمية الحضرية ساكنا لتخفيف وطأة المجاعة على الواصلين الجدد، فآثر عدد من أرباب الأسر مواصلة الرحلة إلى الجنوب داخل مالي وإلى الدول المجاورة لها في الجنوب، وهكذا ظهرت في شوارع لاگوص وكوتونو ولومى وأكرا وأبدجان مشاهد غير مألوفة، وهي تسول صبية غرباء، بنين وبنات، بزي غير مألوف وبشرة بيضاء ينتشرون على قارعة الطريق، وعند إشارات المرور، لإعالة ذويهم الذين اختاروا أشجار الشوارع مأوى لهم
واتجهت أعداد من سكان المناطق الوسطى والشمالية مثل أُولمدَنْ والهگار وإفوقاس وكل السوق إلى مدن الجزائر الجنوبية كتمنغاست، وعشائر الاتحادية الكنتية إلى آدرار، حيث يرتبط هؤلاء وأولئك مع سكان الجنوب بوشائج القربى، فاستقبلتهم السلطات الجزائرية برحابة صدر، وآوتهم ووزعت عليهم بطاقة التموين التي انتشرت بين الأزواديين إلى عهد قريب، إضافة إلى ذلك لقي هؤلاء الترحاب من أبناء عمومتهم الجزائريين، فشكلوا جسرا للتواصل، وانتعشت التجارة وتبادل المنافع مع الإقليم وبدأ الاطمئنان يعود إليه بعد أن أصبحت أجزاء منه في حكم التابع للجزائر، التي ظلت على مدى سنوات لاعبا لا غنى عنه بالنسبة للمناطق المتاخمة لجنوبها، ونجحت في إقامة علاقات متميزة مع أولائك الجيران، رغم تربص الدوائر الغربية وإعلامها للصيد في المياه العكرة بين دول شمال إفريقيا وجنوبها. يتواصل
أكمل القراءة...

"أوراق" عن أزواد /الخامسة/ موديبو: كما قَتَل قُتل


"أوراق" عن أزواد /الخامسة/ موديبو: كما قَتَل قُتل


اغتالت القوات المالية أهم زعماء مالي السياسيين، و"انتصر على ثوار إفُوقاس في أزواد بقتل حاميهم الروحيفاكتملت للرئيس موديبو كيتا الزعامة الداخلية، وغادر باماكو بأيام قليلة بعد مجزرة 30 يونيه 1964 إلى القاهرة لحضور ثاني قمة قارية تحت مظلة، منظمة الوحدة الإفريقية الناشئة، واقتسم بذلك الأضواء المسلطة على الزعماء الأفارقة الثورين، إضافة إلى الهالة التي أحاطت به عن دوره في النزاع الحدودي الجزائري المغربي

فانعقدت القمة تحت رئاسة الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان في أوج سطوع نجمه المحلي والدولي، حيث استقبل في السنة نفسها القمة العربية وقمة عدم الانحياز.

  وقد انعقدت القمة في مقر جامعة الدول العربية، في جو من المظاهر الاحتفالية المبهرة، حيث صادفت إحياء ذكرى  ثورة 23 يوليه المصرية، التي بذلت فيها القاهرة طاقاتها لتظهر أنها أهم زعيمة للقارة والعالم العربي، ومع الهند ويوغوسلافيا إحدى الدول التي تقود حركة عدم الانحياز، الرافض لمنطق تبعية الغرب أو الشرق؛ كما وقع في هذه المناسبة ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية الذي كان مفكرون وكتاب قد انكبوا على إعداد مسودته، منهم محمد حسنين هيكل، ودعي القادة إلى حفل بهيج في نادي الضباط بالزمالك، غنت فيه أم كلثوم أول لحن لمنافسها الكبير محمد عبد الوهاب أنت عمري، بتقديم أشهر مذيع مصري جلال معوض، كما أقام عبد الناصر حفل عشاء في حدائق قصر القبة، غنت فيه فرقة رضا، المؤلفة من شباب الجامعات، وأقيم في مدينة نصر عرض عسكري وشبابي وعمالي دام عدة ساعات، ظهر فيه من الأسلحة ما اعتُبر ردعا لكل من يحاول التحرش بمصر.

  وقد جرت محاولة لتعكير جو القمة هي وصول رئيس وزراء الكنغو اليوبولدفيل موسى تشومبى إلى القاهرة فجأة ليحتل مقعد بلاده، غير أنه أعيد من حيث أتى لأن مصر والدول الثورية لا تعترف به، لكن حادثا آخر جرى بطريقة لم تكن في الحسبان، كان له وقع مؤلم على بعض الوفود، وخاصة مالي وغانا وغينيا.

  هذا الحدث هو الكلمة التي ألقاها رئيس جمهورية مدغشقر، فيلْبيرْ تْسيرانانا، في جلسة علنية بحضور جميع القادة، حيث كال سيلا من النقد اللاذع لمعظم الحاضرين وخاصة الزعماء الثوريين، تارة بروح مرحة وابتسامة عريضة، ومرات أخرى بجد وصراحة مفرطة، وأعلن منذ الوهلة الأولى أنه لا يشاطر الحاضرين تفاؤلهم بمستقبل القارة في ظل القمع وعدم التسامح، ضاربا المثل بكل من رؤساء غينيا وغانا ومالي بأسمائهم، حيث يتشدقون بالثورية والحرية، وهم يقتلون مواطنيهم، ذاكرا بالاسم زعيمي مالي الذين لم تجف دماؤهما بعد: سيسوكو وديكو. ثم هاجم النفاق السياسي، خاصة في العلاقات الدولية، قائلا "إن تماديتم في هذا النهج سأبقى في جزيرتي خارجا عن إفريقيا، ولن أكون مثلكم في النفاق، فرئيسي هو الجنرال دڴول، وسأذهب إليه مباشرة لأقدم له تقريرا عما جرى هنا، ولتكونوا مثلي وتعترفوا بأنكم تابعون لموسكو وپيكين". 
وقد ظل الحاضرون - بمن فيهم أعضاء الوفود والمدعون والصحفيون - مشدوهين بين غاضب مستنكر، ولاه مستمتع بهذا الخطاب الطويل، وهو ما انطبق على الرؤساء أنفسهم، خاصة موديبو ونكروما الذيْن كانا في أشد حالات العبوس، يلوح أعضاء وفديهما خلفهما بأيديهم استنكارا للحديث، أما عبد الناصر وبورقيبه وسنغور والحسن الثاني، وغالبية الرؤساء فقد تابعوا بإصغاء وكأنهم في مسرح، بينما لم يتحكم المختار بن داداه وأحمد بن بله، وعدد من الوزراء من كبت نوبة الضحك التي أصابتهم.

**
 مرت الأيام وسقط موديبو كيتا بانقلاب عسكري في 19 نونبر 1968، وأُرسل إلى كيدال، ليعيش في ظروف صعبة، وإن كانت أقل قسوة مما عرفه معارضوه السياسيون الذين اختارها لهم، ثم ينتقل إلى الجنوب الأكثر رطوبة، ويتقابل في أحد الأيام أمام المستشفى مع زعيم آخر ما يزال في السجن من بقايا ضحاياه، هو محمد آعلي آڴ الطاهر الأنصاري، الذي خاطبه "موديبو، هل عرفتني، أنا محمد آعلي الذي كنت أعطيك - وأنت تلميذ - البسكويت وغيرها من الأشياء التي تطلب". 

وكان أبشع إرث تركه موديبو كيتا لبلاده ما استنّه من نهج في القمع والتعذيب والتصفية الجسدية لمعارضيه، حيث اتَبعت ذلك الطغمة العسكرية التي أطاحت به، وأصبح النهج السائد، وكان هو ضحيته عندما مات مسموما في 16 ميه 1977، وكاد النهج هذا يقضي على طبقة الضباط الحاكمين، المتكالبين على السلطة والمال



نهاية النقيب بازاني في تاودني

مما يستدل به الأزواديون على احتقارهم من قادة مالي جعل مدنهم التاريخية وبلداتهم الشهيرة أوكارا لأنواع الفجور والإجرام، ومراكز للتعذيب السياسي والقتل الممنهج خارج القانون، حتى اقترنت أسماؤها بذلك، بعدما كان صيتها كمواطن للعلم والذهب والملح، ملهم أطماع العالم منذ القرون الوسطى

ومن هذه البلدات سبخة تاودني التي يقع فيها مركز إداري وعسكري للحكومة المالية، على بعد 700 كلم شمال تنبكتو، في نقطة هي الأخفض عن سطح البحر في الكرة الأرضية، عوض البحر الميت

وحوض تاودني يطلق في المصطلحات الجيولوجية على مساحات شاسعة تشمل مناطق من أزواد وتمتد إلى داخل الشمال الشرقي الموريتاني؛ أما صحراؤها فهي قاحلة لا شجر فيها ولا نباتا، تُصليها شمس حارقة في غالبية أيام السنة، حيث تكون درجة الحرارة صيفا 50 درجة نهارا و40 – 45 ليلا، وفي الشتاء 20 – 30 درجة في النهار و10 – 0 ليلا

"يوجد عند السبخة بئر يدعى حاسي صالح نسبة إلي أحد الصالحين، ماؤه مالح، يقع على عمق 50 مترا، وهو في هذه البلاد القاحلة المعطشة هدية من السماء، غير أن الإنسان لا يستطيع شربه إلا بخلطه مع مواد تساعد على تحمله، مثل تجمخت، (دقيق ثمر شجر الدوم [التيدوم] الذي ينبت في الجنوب] أو دقيق الذرة أو اللبن الرائب، والاغتسال به يحتاج إلي مجهود وتقنية، حيث يمنع رغوة الصابون، ولا يزيل وسخ الجلد، مما يحتم خلطه بالحصى الصغير مع الدلك بقوة، ومع ذلك فلولا الماء المالح لمات الناس من الإمساك.


  يحكم مركز تاودني نهاية 1969 الملازم كانتاو الذي يجمع بين يديه كل السلطات، وقد أوكل إليه أمر مجموعة من السجناء العسكريين المحكوم عليهم بالمؤبد، وعلى رأسهم النقيب بازاني (ديبيى سيلاس جارا) الذي عرفناه فيما سبق قائدا للكتيبة التي أشرفت على سحق التمرد في أزواد، حيث أدين بمحاولة انقلاب بعد أن كان واليا لمحافظة موبتي.

 كان الملازم كانتاو الآمر الناهي، ومهمته الأولى هي إلحاق أشد أذي بالسجناء المحكوم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد الذين أرسلوا إليه في هذا الفضاء السحيق الذي لا صلة له بالعالم الخارجي. وللدلالة على الاستبداد الذي يفتخر به، أعطى لنفسه اسم إمبراطور قبيلة الموشي (مورو نابا) الذي بيده مصير شعبه حياتا أو موتا، لا يعرف قاماتهم إذ لا يراهم إلا راكعين له. وكان سجناء تاودني يسجدون لسيدهم الجديد حتى يغمسوا رؤوسهم في الأرض مقبلين جزماته، فيرد عليهم التحية بوضع قدمه بقوة على رقبة كل منهم حتى تندس في التراب
وإضافة إلي الأوامر التي تلقاها من قادته استعمل كل ما خطر بباله من بطش ليجعل نهايتهم الموت البطيء. وهكذا بدء بتحويلهم إلي عمال لقلع عدائل الملح الذي يتولاه عادة عمال محترفون يتوارثون المهنة، التي تعد قاسية جدا خاصة على من لا يعرفونها.

توجد في تاودنيكما سلف - سبخة غنية بالملح المتراص في حصائر منتشرة تحت طبقة رملية، يقوم عمال مهرة بتقطيعه في شكل قوالب لتكون جاهزة للنقل، لذلك اعتبر الضابط أنه العمل الأكثر مشقة والأنسب لسجنائه، وهو في الوقت نفسه فرصة لتطييب خواطر رؤسائه بإهدائهم ملحا وفيرا بلا ثمن

وقد فتح مقلعا بعيدا عن أمثاله ليفسح المجال أمام جنوده لإطلاق النار على السجناء في حالة محاولتهم الهروب، دون أن يعرض العمال العاديين للمخاطر.

كان المقلع الجديد يبعد 12 كلم عن المركز العسكري، يرغم السجناء على قطعها جريا على الأقدام المثقلة بالسلاسل في ذهابهم وإيابهم، يسبق ذلك ضرب مبرح عند الساعة الرابعة صباحا، موعد الانطلاق، وتكون العودة عند الساعة الخامسة مساء، تتخلل ذلك استراحة لمدة 5 دقائق لتناول الغداء المكون من حب الدخن الأحمر الغليظ نصف مهروس، لم يكتمل نضج طبخه، وهو عادة يحضر كعلف للماشية، لكنه هنا يخلط بالتراب والحصى ( أرارش).

ولم يكن للسجناء الحق بعد يومهم الشاق المنهِك في فسخ ثيابهم مما جعل أجسادهم مرتعا للقمل، مثل ثيابهم المتلبدة من شدة الاتساخ، والتصاق الحصباء المبللة بالعرق، والتي تتساقط قطعا بعد أن تيبس. وليس للمصابين منهم الحق في استراحة مرضية، بل يحملهم زملاؤهم إلي المقلع يوميا، ويتركون مرميين في الرمضاء، حيث تصل الحرارة 50 درجة في الظل. وكان الملازم كانتاو فخورا بما حققه من نجاح في استخراج عدائل الملح، وبما أصاب السجناء من ضعف وهزال.
وفي أحد أيام يناير، وكتهنئة للسجناء بالعام الجديد، أعادهم إلي المقر قبل الوقت المحدد، مما جعلهم يتصورون أنها لفتة رحيمة، خاصة وأنهم سقطوا على الأرض عند وصولهم لشدة الإرهاق. وعند مدخل المركز كانت هنالك عديلة ضخمة نقش عليها كانتاو "أول عديلة استخرجها الخونة يوم فاتح يناير 1970 " ثم غادر وهو يتضاحك قائلا "لقد أعدتكم باكرا اليوم حتى تقرؤوا في ضوء النهار هذا الإهداء المنقوش تكريما لكم، وسترسل في الغد إلي القيادة العليا كشاهد على إسهامكم الفعال والطوعي في الإنتاج الوطني في جنة الصحراء هذه.

واتهم الملازم السجناء بمحاولة رشوة أحد جنوده الذي فرض عليه شهادة زور، ثم أبلغهم أنهم سيعدمون في الصباح، مما كان له وقع لا يتصور عليهم، وعند بزوغ الشمس ساقهم مقيدين بالسلاسل ليجدوا أمامهم فرقة إعدام مؤلفة من 12 جنديا، مما صدق لديهم تهديده، وبادرهم: بأنهم لم يذكروا خلال استجواباتكم السابقة جميع شركائهم في المؤامرة، لذلك سيترك لهم حياتهم إن أقروا بهم اليوم، لكنهم رفضوا الرد عليه كرجل واحد، فكانت العقوبة الضرب بأعقاب البنادق والعصي حتى تقيئوا الدماء.

ثم جاءت للملازم فكرته السادية لبناء حصن في تاودني مساحته 2500م2، فأمر السجناء بحفر بئر بأدوات قليلة وصنع 100 طوبة من الآجر لكل منهم في اليوم، وهو رقم خيالي لهؤلاء التعساء الذين يُختم يومهم - في معظم الأحيان - بالضرب المبرح على كل الأعضاء دون أي سبب.

وكان البناء يسقط كل ما علا، لجهل السجناء بالمهنة؛ وعندما مات أحدهم من شدة التعذيب والجوع رفض دفنه في مقبرة السبخة لأن السجناء لا يستحقون ذلك، وأمر بإلقائه بعيدا عن الحصن، مما جعل زملاءه يعودون إليه في الصباح ليدفنوا ما أبقت بنات آوى من جثمانه.

وكان الملازم يتباهي بإنجازه ويقارنه بالأهرامات التي بناها الفراعنة في مصر [إنه إنجاز سيخلده له التاريخ] وهو ما تحقق بالفعل حيث بقي الحصن الذي أملته إرادة رجل مريض بجنون العظمة، وكلما هبت عاصفة رملية يكون صداها في الحصن كصياح وأنين كل من سكب دمه على طوب هذا البناء المنحوس. وقد تناوب على قيادة المركز العديد من الضباط وصف الضباط، لم يكونوا كلهم بقسوة الملازم كانتاوو إلا أن الأقل تشددا يلقون العقاب، وأقله الحرمان من ترفيع الرتب حتى التقاعد.
ورغم اكتشاف مؤامرة جديدة لإسقاط النظام في باماكو واعتقال القادة السابقين من قبل الرئيس إلا أن من حلّوا محلهم كانوا أشد قسوة من سابقيهم الذين نقل العديد منهم إلي تاودني ليعيشوا مع من لم يمت من السجناء الأولين.

وقد رفعت عن النقيب "بازاني" الرقابة، إذ لم يعد يشكل أي خطر، وأصبح من بين السجناء مجرد جثة متحركة، ، بلا لحم ولا أعصاب، مثل التمساح الجائع، يزحف في تنقله على يديه وركبتيه، تاركا خلفه خطوطا عميقة في الرمال الحارة، من السهل اقتفاؤها، ولم يعد له من العمل إلا جمع بعر الإبل حول البئر لغرض الطهي، وقد قيل إنه فقد ملكة النطق بسبب العزلة الطويلة التي يعيشها، لكنّ من نظر إليه عن قرب يرى بقية بريق، يشكل نوعا من التحدي لسجنائه. وأمام تعلقه بالحياة تجرأ الملازم كانتاو على اتخاذ قرار خطير العواقب أمام التاريخ وهو قتل هذا السجين الذي كان بلا شك الهدف النهائي، وطريقة التنفيذ متروكة له

وفي أحد الأيام استدعى الجندي الطارقي الشاب سالم آگ سالم ودار بينهما الحديث التالي:
-    سالم، هل صحيح أن أخاك قتل في التمرد (1963)؟
-    مع الأسف نعم، وما أزال أبكيه، يرد الجندي
-    هل ترغب في معرفة ظروف موته، وقاتله؟
-    إنني أجهل ذلك، لأنني كنت صغيرا. آه! نعم، وألف نعم! إنني أحب أن أعرف القاتل، وبالي لن يهدأ قبل أن أقوم بالواجب المقدس، وهو الثأر لدم أخي
-    اسمع جيدا. كان أخوك شجاعا بين الشجعان، عرفته قبل التحاقه بالتمرد، وأنتما تتشابهان كقطرتي ماء. لقد قاتل من أجل قضيته، لكنه فوجئ مع صحبه بسبب وشاية، خلال عملية تمشيط للجيش، دارت خلالها معركة دامت صبيحة يوم كامل. وبعد استنفاد ذخيرتهم استسلم أخوك ومن بقي معه من زملائه، ورفض بإباء الإدلاء بأية معلومات لمحققي شعبة مخابرات المكتب الثاني رغم التعذيب، بل بلغت به الجرأة حد البصق في وجه الضابط الذي يستجوبه، موقعا بذلك صك موته.    
كان أخوك يفضل الموت وسلاحه بيده، لكن ذلك لم يقع، بل أجبر على شرب قدح من البنزين، ثم صُب على جسده المتبقي وهو حوالي ثلاث لترات، وأشعلت النار فيه، لكنه قابل ذلك برباطة جأش ودون أن يطلب الرحمة أو يُصدر أنينا، حتى انفجر كالقنبلة

وكان الضابط يتوقف بين الحين والآخر ليرى وقع سرده التمثيلي للقصة على الشاب الطارقي، الذي انكسر قلبه وهو يبكي بدموع حارة، يرتعد جسمه من شدة الغضب والتأثر، منتظرا أن يكشف له اسم القاتل، إلى أن سمع: هل أنت مستعد لأخذ الثأر لأخيك، عندما أكشف لك عن اسمه؟
-    كيف لي بذلك؟ وكيف الوصول إليه؟
-    قل لي نعم، وسأقدمه لك في الدقائق الآتية
-    نعم! نعم! نعم!
-    حسنا، ياصغيري، إنه النقيب بازاني، الذي قتل أخاك الأكبر
-    لا، هذا غير ممكن!
-    إنها الحقيقة بعينها، وهو الآن نحو البئر، فهو لك ، سالم، افعل به ما تريد، اقت...
ولم ينتظر سالم إتمام الجملة فطفق يعدو مطلقا صيحة الحرب، كما يفعل أجداده عند الهجوم، وفي الطريق أخذ دبوسه متجها إلى البئر، مواصلا صيحاته

وفي هذا الوقت كان النقيب بازاني الذي يجهل أن مصيره قد تحدد، منبطحا على وجهه فوق الرمال الساخنة يضع يديه على رقبته ليقيها حر الشمس، بعد أن أنهى نوبته من جمع البعر حول البئر
وقد وصلت إلى مسامعه صيحات سالم كالصدى، ولم تكن غريبة عليه، لأنه سمعها من قبل في الجبل، ثم بدأت تقترب، غير أنه كان يجهل أنها موجهة إليه.

وقريبا من جسد النقيب بازاني المشوه توقف سالم، والنقيب رافع رأسه إليه ليتلقى في الوجه حثوة تراب أثارتها جزمات الجندي الطارقي الشاب، وعند فتح عينيه عرف دبوس الراعي البدوي المخيفة ذات الرأس المدبب كراس الثعبان، وتكشيرة في وجه سالم، ورغم حاله الضعيف حافظ النقيب على بعض الوعي، مدركا أن أجله قد حان، حيث نزلت العصا على رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة. وبذلك فقد النقيب ديبيى سيلاس ﭽارا، "أسد الصحراء" سيد كيدال، قاهر التمرد، معركته ضمن صراع الحياة الفانية.

   
  إن الإرادة الإلهية تسوقنا حتمافرادى وجماعاتإلى مصيرنا، كما ساق النقيب بازاني معه إلى هذه النهاية المفجعة معظم الضباط وضباط الصف الذين شاركوا في حملة كيدال، خاصة الملازم سام الذي أشرف على قتل فيلي دابو سيسوكو وحامادون ديكو وقاسم تورى، فقد ظلت تربطهم سلسلة خفية حتى الرمق الأخير من حياتهم" .

 يتواصل  
أكمل القراءة...